تعليقا على مقالة هل نحارب طواحين الهواء للدكتور علاء الأسوانى
الحقيقة أنى أحب قراءة ما يكتبه هذا الرجل ، وكثيرا ما رأيت دفاعه عن الإسلاميين الذين يختلفون معه فى فكرته ، ورأيت دفاعه هذا أفضل كثيرا من دفاع الإسلاميين عن أنفسهم ، فهو رجل صاحب مبدئ ينطلق من خلفية علمانية ، وأرى أن مقالته "هل نحارب طواحين الهواء" التى أثارت غضب الكثير من الإسلاميين ، متسقة مع افكاره ومبادئه.
الرسالة التى حاول أن يوصلها فى مقالته : أن مبادئ الإسلام لم تتحقق فى دولة الخلافة ،فهى ليست النموذج الذى يجب على الإسلاميين أن يسعو لإقامته ، ولكن نموذج الدولة المدنية الحديثة هى الدولة التى يجب أن يسعى الإسلاميون لإقامتها والتى فى نفس الوقت تحقق غايات الإسلام المتمثلة فى الحرية والعدل والمساواة.
وبداية أود أن أقول أننا كإسلاميين نضع قدسية على التاريخ الإسلامى ، والحقيقة أن من صنعوه هم بشر ولا يجوز لبشر أن تكون له العصمة أبدا ، فلا عصمة إلا للأنبياء وفقط ، هكذا يقول الإسلام، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أيضا شعرت أن ما ذكره الدكتور علاء الأسوانى فى مقالته ، كان ظالما فى كثير مما قال ، فهو حاكم التاريخ بأدوات الحاضر وفى هذا ظلم لهذا التاريخ ، وفيما يلى أحاول أن أوجز فهمى لدولة الخلافة:
الدولة هى نظام إجتماعى وعلمى وقضائى وتشريعى وعسكرى وغيرها، كما ان النظام السياسى ليست مهمته تحديد آلية أختيار الحاكم فقط ولكن النظام السياسى يتكون من مجموعة من السلطات ، فالنظام السياسى فى دولة الخلافة أحتوى على سلطات أربع وهى : السلطة التنفيذية والقضائية والتشريعية والسلطة المباشرة للأمة.
ففى دولة الخلافة كان الحاكم له السلطة التنفيذية ، فهو له السلطة العسكرية و الشرطة وله حق التكلم باسم الدولة ونستطيع أن نقول أن الحاكم فى دولة الخلافة بمفردات عصرنا له وزرارات الداخلية والخارجية والدفاع أو الوزارات السيادية ، ولكن المشكلة أن الحاكم كان يأتى توريثا ، وهذا بالقطع يخالف مبادئ الإسلام من حيث الشورى والصلاحية وغيرها.
والسلطة التشريعية كانت فى أيدى العلماء وهم قوة لا يستهان بها ، فأنشأ هؤلاء العلماء المذاهب الفقهية العديدة التى أثرت الفكر التشريعى ، وكونت زخما هائلا وتراثا فقهيا عظيما كان بعيدا كل البعد ومستقلا عن قبضة السلطة التنفيذية، وكان هذا الجهد الفقهى هو الحاكم لأمور الناس ، كما أن المريدين هم الذين يحيون هذا المذهب أو يميتوه ، أى أنه كانت هناك انتخاب طبيعى للمذاهب التشريعية فمذهب الليث مثلا لم يعد له وجود فى مصر ، رغم أن اليث هو من هو ، ومذهب الشافعى حى إلى الآن فى مصر ، وهذا إنما هو اختيار الناس ، ولم يكن اختيار الحاكم.
وكانت دولة الخلافة تعتمد ما يسمى الوقف أو السلطة المباشرة للأمة ، وهو نظام إجتماعى يرعى الصحة والتعليم والأوقاف والمساجد والأمور الإجتماعية ، وهذا يجعل سلطة الحاكم محدودة ، أى أننا نستطيع أن نقول بمفردات الآن أن وزارات الأوقاف الصحة والتعليم لم تكن تحت سيادة الحاكم أيضا وإنما كانت تحت سيادة الأمة أو الشعب بشكل مباشر ، وهو إبداع يجب أن يحسب لدولة الخلافة ،
من هنا نستطيع أن نقول أن شكل الدولة لم يكن كشكلها الحالى وكان سياقا غير السياق الآن ، فالنظام السياسى فى دولة الخلافة لم يكن بهذا التخلف الذى ذكره الدكتور علاء الأسوانى ، فهو بداية نظام استطاع أن يسود فترات طويلة من العمر البشرى طويلة للغاية ، وكان متفوقا على جميع أنظمة عصره السياسية ، ولكن هذا لا يمنع أننا نعترف أن نظام الخلافة هو نظام بشرى لم يستطع تطوير نظام اختيار الحاكم ليكون نظاما شوريا مطابقا لتعاليم الإسلام.
إذن ماذا يريد الإسلاميون الآن ؟
يريدونها دولة عصرية ، مدنية ، ديموقراطية ، مؤسسية ،عادلة ، تحترم الدين. ولا أعتقد أن نظام التوريث الذى كان معتمدا فى نظام دولة الخلافة يريده أحد ، ولكننا نريد دولة يكون الإسلام هو محور دورانها ، يكون نظامها الإجتماعى والتعليمى والثقافى والتشريعى والعسكرى موافقا لرؤية الإسلام ، أى أننا نريد الإسلام ان يملئ المجال العام ، ولا يكون فى المجال الخاص فقط ، فالدول الغربية يملئ مجالها العام القيم العلمانية ، ونحن لا يلائمنا ذلك مطلقا ، وأخيرا مشكلتنا ليست مع النظام السياسى ولكنها مع النظام الإجتماعى والتعليمى والثقافى والتشريعى.
